دردشة مع الكاتب إياد برغوثي- عن المكان والفضول والاغتراب والترجمة

“أعتقد أنّ هناك ضرورة للترجمة للعبريّة، لكن ضمن شروط ومحدّدات ما يُسمّى “الترجمة المقاومة”، التي ترتكز إلى أربعة أسئلة أساسية: لماذا نترجم؟ ماذا نترجم؟ لمن نترجم؟ وكيف نترجم؟”، حوار أجراه الكاتب زياد خداش مع الكاتب والمترجم ونائب رئيس تحرير سلسلة مكتوب اياد برغوثي، لصالح صحيفة “الأيام” الفلسطينية.

لا بلاغة في سرد إياد، وكأنه يقول، لا وقت عندي لوصف الجرح، والتفنن في الرقص أمامه، ها أنا أقدمه لكم طازجا، فقلبوه بين أياديكم، التكثيف لعبة الكاتب، التوتر الداخلي للشخصيات لا يظهر، طريقة تقديمه لهم هادئة، لكنها ذكية، تطلب منا ألا نستعجل الإحساس وأن نفكر كثيرا، بنية قصصه بنية تأملية، مغرية للبقاء داخل صفحاته. اعتبره الكثيرون صوتا ناضجا في المشهد الروائي الفلسطيني، نظن لأول وهلة، أن الاحتلال غائب عن عالمه، لكنه موجود بقوة في أثره على النفسيات، في رائعته (بردقانة) يشتغل إياد على التأزم وعلى الماضي الذي لا يغيب، أما المكان فيحظى بحيز بطولي.
هذه دردشة معه:

• كاتب برغوثي ومن سكان الداخل؟ هل هو خطأ جغرافي أم صدفة أب أم ذكاء البراغثة وحدسهم؟
ـ ولدت في الناصرة العام ١٩٨٠، لعائلة هُجِّرت إليها من قرية صفورية، التي وُلد فيها جدّي في نهاية القرن التاسع عشر. بحسب السرديّة العائليّة، فإنّ جدّ جدّي أصله من منطقة قراوة بني زيد، تركها قبل حوالى مئة وثمانين سنة لأسباب تتعلّق، كما يبدو، بنزاع في المنطقة. كان جدّي، الذي توفي أبوه في “السفربرلك” وفَقَد أخاه الوحيد في النكبة، يحكي عن زوّار كانوا يأتون على الخيول من دير غسّانة.
بقي جدّي في الناصرة لاجئًا وحيدًا، معدَمًا ومصدومًا، كان إنسانًا مسالمًا وطيّبًا ومُحبًّا. كَبُر والدي، المولود العام ١٩٤٩، دون عمّ أو خال. مع الأيام، ومع توسّع رقعة الاحتلال، عاد بعض التواصل المحدود مع العائلة في القدس والضفة الغربيّة، وفي السبعينيات والثمانينيات، زارت بيت عائلة جدّي المتواضع شخصيات من عائلة برغوثي خلال زيارتهم للناصرة للمشاركة في مخيمات العمل التطوعيّ، أمّا أنا فقد كنت طفلًا فضوليًا، أحبّ التاريخ والأدب، كبرت في أسرة صغيرة تحمل اسمًا كبيرًا. من حسن حظّي أنّ أمي كانت صاحبة مكتبة، وعائلتها تملك مطبعة ودور نشر وتُقيم معارض كتب، فكبرت بين الكتب. صحيح أنّه لا توجد قرابة مباشرة ولم يكن لديّ أيّ تواصل مباشر، لكن كان يكفيني فقط كفتى وكشاب وطالب جامعيّ تتبع أسماء شخصيات عائلة البرغوثي ونضالهم وقراءة ما كتب كتّابهم حتّى أشكّل هوّيتي الفلسطينيّة وأتعمّق بالتجربة الفلسطينيّة، بشكل مختلف عن كلّ من حولي. أكثر من أبهرني كان الراحل حسين البرغوثي. لاحقًا، التقيت بأشخاص رائعين وطيّبين من عائلة البرغوثي خلال زياراتي لرام الله، وأعتز لمجرد تطابق اسم عائلتي باسم هذه العائلة الهائلة، حتّى لو كان ذلك مجرّد صدفة.. ثمّ تسأل نفسك: من أنا في هذا المكان؟

• في مجموعتك القصصية (بين البيوت) تحكي عن هوية فلسطينيي الداخل واغترابهم. وثمة براعة في تصوير تماس هذه الهوية مع السلطة. هل تعتقد أن الكتابة في جو مشحون بالاغتراب القومي ضرورية. وكيف يكون تأثيرها؟
ـ في “بين البيوت” كنت شابًا عشرينيًا يبحث عن بيت في وطن مسلوب، وعن حبّ في مدن يتيمة مبنية من أنقاض ذاكرة. كنت حينها أتساءل أين سأسكن وأتنقّل بين المدن التاريخيّة على الساحل. أردت ببساطة أن أكتب قصص الناس العاديين الذين لا تحكي عنهم الروايات ولا نشرات الأخبار، مستمدًا حكاياتهم من تجاربي اليوميّة في البيوت التي سكنتها، ومِن تجارب مَن مرّوا في حياتي حينها، ومن الحزن على مصير تلك المدن؛ يافا وعكا وحيفا، ومن تفاؤلي البسيط لمجرّد بقاء الناس فيها. لسؤالك، لست واثقًا من أنّ الكتابة في جو مشحون بالاغتراب القومي أمر ضروري، بل هي فرصة لتكون لغة الكاتب وحكايته منافية لسرديّة السلطة. الاغتراب، في حالتي، لم يكن اغترابًا عن المكان بل عن السلطة. قد يشكّل التغرّيبُ عن المكان الهويّةَ عند الفضول، إذ يدفعك للتساؤل والحفر عميقًا في أرض الحكاية المهدّمة. فتبدأ من السؤال البسيط: ماذا كان هنا؟ فتبحث عن الإجابة عنه في بحّة صوت الناس الذين تقابلهم، وفي الصور القديمة، وفي الكتب الجديّة التي وثّقت المكان. ياه كم هي مفيدة كلّ هذه الكتب! أذكر أنّني قد عرفت ماذا كان في يافا عندما سكنت فيها من كتاب “يافا عطر مدينة” الذي حرّره الراحل هشام شرابي في التسعينيات. ثمّ تسأل نفسك: من أنا في هذا المكان؟ إذ يُصبح جزءًا منك، من هويتك لأنّك تتشكل فيه. وإن كنت غير ناكر للجميل قد تسأل بعد ذلك: ماذا يمكنني أن أقدّم لهذا المكان؟

• يخطف الموت هذه الأيام فنانين وكتاباً وشعراء فلسطينيين. هل ثمة علامة هنا يا إياد؟ أم هي صدفة؟
ـ لست واثقًا من وجود علامات، لكن إن أردنا فيُمكننا أن نعطي معنى لمسلسل رحيل الشخصيات الثقافيّة مع نهاية العام الماضي ٢٠٢٥. ثمّة مرحلة تنتهي. شعوري أنّهم لم يتحمّلوا كلّ هذا الخراب والفظائع التي شهدناها في السنتين الأخيرتين. نهش التوحّش أرواحهم فتعبت أجسادهم حتّى أنهكت تمامًا. نحن كلّنا متعبون، نتمسّك بما بقي لدينا من قوّة لنستمر، لكنّنا لا ننجح كلّنا في ذلك.

• في روايتك “بردقانة” كسرت نمطا روائيا صلبا في المشهد الروائي الفلسطيني. كما يقول سلمان عز الدين؛ برأيك إياد لماذا تندر شجاعة الروائي الفلسطيني في كسر القوالب الروائية وفي الخوض بمضامين محرجة؟
ـ كلّ ما أردت أن أفعله في “بردقانة” هو أن أسرد رواية تحكي عن تفاصيل الحياة الاجتماعيّة والثقافيّة والرياضيّة في فلسطين خلال فترة الانتداب البريطانيّ، عشية النكبة. أن أعود خطوّة للوراء قبل لحظة التحوّل المفصليّ في سرديتنا، قبل لحظة الصدمة. في مبنى السرد، تحدّد لحظة التحوّل وجهة الحكاية ورغبات شخصياتها وصراعاتهم. لا شكّ في أنّ نكبة العام ١٩٤٨ هي لحظة التحوّل في السرديّة الفلسطينيّة، وهي في روايتي كذلك، لكنني أحكي عنها دون أن أحكي عنها. بمجرد أنني أحكي عمّا كان قبلها فأنا أبني ذاكرة المكان التفصيليّة العادية المفقودة في فعل استعاديّ. في السرد القصصيّ الأصلانيّ نحن نصوغ سرديّة تتحدّى الطمس والمحو الاستعماريّ وتشظّي الذاكرة الجمعيّة بسبب التجزئة والتشتّت، لكننا في الوقت ذاته علينا أن نتحلّى بشجاعة أدبيّة ونزاهة تاريخيّة لنحكي قصصًا تكشف لنا مواطن أخطاء ذاتيّة شهدها الماضي، وتكرّرت في فترات تالية، كي نتعلّم منها. وهذا ما حاولت فعله في “بردقانة”.

• حسب رأيك، هل تجد ضرورة في ترجمة أدب فلسطين المقاوم إلى اللغة العبرية؟ وهل هناك أهمية لترجمة أدب المحتلين إلى اللغة العربية؟
ـ نعم، أعتقد أنّ هناك ضرورة للترجمة للعبريّة، لكن ضمن شروط ومحدّدات ما يُسمّى “الترجمة المقاومة”، التي ترتكز إلى أربعة أسئلة أساسية: لماذا نترجم؟ ماذا نترجم؟ لمن نترجم؟ وكيف نترجم؟ هناك كتاب مرجعي ممتاز حول هذه المقاربة عنوانه “الترجمة، المقاومة، الناشطة” وهو مؤلَّف جماعي قامت بتحريره الأكاديمية ماريا تيمتشكو وصدر العام ٢٠١٠. تُخرِج هذه المقاربة الترجمة من إطارها اللغوي وتقدّمها كفعل سياسي، أي كأداة للمقاومة الثقافيّة، وتسلّط الضوء على دور المترجمين في إحداث تغيير تاريخيّ وثقافيّ من خلال تحدّي الرقابة، والقمع الثقافيّ والهيمنة السياسيّة. من هذا المنظور، وجدت منذ عدّة سنوات ضرورة في أن أساهم كمحرّر مسؤول في مشروع “مكتوب”، وهو مشروع مستقل وغير هادف للربح، لترجمة أعمال أدبيّة وتاريخيّة عربيّة وفلسطينيّة إلى اللغة العبريّة، التي أجيدها، من خلال رؤية هذه الترجمة كفعل سياسيّ – ثقافيّ ناجع لمواجهة إنكار التاريخ الفلسطينيّ ونزع الإنسانيّة عنّا في واقع فيه “أبرتهايد” لغويّ (أقل من ١% من الإسرائيليّين يجيدون قراءة نصّ بالعربيّة) وإبادة وصراع سرديّات شرس. في “مكتوب” طوّرنا طريقة ترجمة مختلفة ونهج عمل يحتّم وجود “سيادة” لمترجمين ومحرّرين فلسطينيّين في كل مراحل الترجمة من اختيار النصّ حتّى الكتابة عنه. الترجمة بحدّ ذاتها، مثلها مثل باقي حقول الثقافة والإبداع، ممكن أن تكون وسيلة لتحقيق أهداف مغايرة تمامًا وأن تخدم سرديات ومصالح أخرى، وهذا ما يجعل الحاجة للمحدّدات التي ذكرتها مهمة. أمّا الترجمة من العبريّة، فمسألة مختلفة، تكون فيها الترجمة الأدبيّة إنتاجًا معرفيًا وأهميتها تنبع من كونها تكشف “أمعاء” ثقافة الاحتلال. هناك عدّة ترجمات ستصدر قريبًا لروايات إسرائيليّة، كلّها، مثلا، ستكشف الأزمة النفسيّة الوجوديّة العميقة التي يعيشها هذا المجتمع.

*نشر الحديث في موقع صحيفة الأيام الفلسطينية على الرابط هنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *